السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

390

مختصر الميزان في تفسير القرآن

فنظام الموجودات بأعيانها وآثارها تحت قيمومة اللّه لا مجرد قيمومة التأثير كالقيمومة في الأسباب الطبيعية الفاقدة للشعور بل قيمومة حياة تستلزم العلم والقدرة ؛ فالعلم الإلهي نافذ فيها لا يخفى عليه شيء منها ، والقدرة مهيمنة عليها لا يقع منها إلّا ما شاء وقوعه وأذن فيه ، ولذلك عقبه بقوله بعد آيتين : إن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء . قوله تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ، قد مر أن التنزيل يدل على التدريج كما أن الإنزال يدل على الدفعة . وربما ينقض ذلك بقوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ( الفرقان / 32 ) ، وبقوله تعالى : أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً ( المائدة / 112 ) ، وقوله تعالى : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ( الأنعام / 37 ) ، وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ( الأنعام / 37 ) ، ولذلك ذكر بعض المفسرين : أن الأولى أن يقال : إن معنى نزل عليك الكتاب : أنزله إنزالا بعد إنزال دفعا للنقض . والجواب : أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين نزول كل جزء من اجزاء الشيء وبين جزئه الآخر بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الاجزاء وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم ، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ( الرعد / 17 ) ، وهو الغيث . ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد سواء تخلل بينهما زمان معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج ، والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ( الشورى / 28 ) . ومن هنا يظهر : أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة فإن المراد بقوله لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة الآية : أن ينزل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير